الجمعة 19 يونيو 2026 | 11:57 ص

المرسي :ما بعد مونديال ٢٠٢٦: مذكرة التفاهم تعيد رسم ملامح الصراع والجمهورية الإيرانية الجديدة


قالت الدكتورة شيماء المرسي الباحثة والخبيرة في الشأن الايراني في تصريح لـ " مصر الآن"خلال الساعات الماضية، أثيرت تساؤلات عدة حول جدوى مذكرة التفاهم الحالية وهل ستكون عاملا قويا لمنع تجدد الحرب أم أنها مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط أنفاس الطرفين. 

وقبل الإجابة، لا بد من لفت النظر إلى أن المذكرة قد حققت أخيرا خط المصالح الذي سعت إليه إيران منذ لحظة خوض المفاوضات غير المباشرة مع إدارة ترامب العام الماضي.

١- على سبيل المثال، معضلة تخصيب اليورانيوم المتأرجحة بين التصفير والتخصيب السلمي بنسبة ٣.٦٧٪؜ منحت إيران ورقة دعم داخلي. خاصة وأن إصرار الإدارة الأمريكية في السابق على تصفير التخصيب الإيراني، وذهاب غالبية المحللين وراء الدعاية الأمريكية لتفسير فشل الجولات التفاوضية السابقة، رغم تمسك طهران بحقها في التخصيب، تجاهل حقيقة أن إيران لا تعاند على نسبة التخصيب بحد ذاتها، لأن إشكالية التخصيب بالنسبة لإيران قد انتهت منذ زمن طويل، بل وتم تأمينه سلميا وعسكريا وعلى كافة المستويات. 

وأضافت المرسي أنه ومن أجل هذا تحديدا، تعنتت طهران بضراوة في ملف تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة ٦٠٪؜ انطلاقا من أن غايتها الأساسية من المفاوضات هي فقط تثبيت حقها في التخصيب السلمي، لأنه ببساطة يمثل عامل شرعية حاسما في الداخل الإيراني، وأداة تسويق سياسي لصمود النظام أمام واشنطن، ومن أجله أيضا كان النظام الإيراني مستعدا لخوض أي مواجهة عسكرية، شريطة ألا تنكسر هيبته أمام الرأي العام ومحوره، وقد نجح في ذلك. 

وبالتالي، فإن التحول الأخير في الموقف الأمريكي والموافقة على شرط التخصيب السلمي، يعكس إدراكا متأخرا بأن استمرار التعنت حول نسب التخصيب سيعني ديمومة التجاذب بين طهران وواشنطن دون أفق، وهو تحول لا يعني بالضرورة ارتفاع احتمالات توقيع اتفاق نهائي، بل على العكس، إذ إن شخصية ترامب المتقلبة قد تدفعه لتغيير موقفه مجددا حتى بعد توقيع المذكرة، خاصة لو تسببت في ردود فعل سلبية تمس شعبية حزبه الداخلية.

٢- بعد رفع الحصار البحري الأمريكي مقابل فتح مضيق هرمز ومنح حرية الملاحة لمدة 60 يوما فقط وبتنسيق إيراني، سوف تتعنت طهران وتفرض شروطها في التنسيق مع سلطنة عُمان، لفرض خدمات إجبارية على السفن وتحصيل الرسوم وفقا للقانون الدولي، وتحديدا اتفاقية جنيف التي تجيز للدول، وفقا لمبدأ المرور البريء تحصيل رسوم مقابل تقديم خدمات ملاحية، وهذا يحول النفوذ البحري إلى أداة سيادة مقننة. وهى فرصة ثمينة لتطبيقها في مضيق ملقا من أجل التحكم في صادرات النفط الصينية.

٣- سيظل بند تحرير الأصول المجمدة ورفع العقوبات تدريجيا مستبعد التمرير بالكامل، وهنا لا أحتاج لاستدعاء تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 والانسحاب الأمريكي الأحاديث عام 2018، بل يكفي التنويه بأن هذا البند يمس الأمن القومي الإسرائيلي مباشرة، وما رصدته من انتقادات وسائل الإعلام العبرية لترامب ونعته بالفشل في تقديم اتفاق يقوض ترسانة إيران الصاروخية والنووية، هو مثال عملي على ذلك. 

ففي العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يُعد أي اتفاق لا يتضمن الملفات الاستراتيجية الثلاثة (النووي، الصواريخ، والوكلاء) اتفاقا فاشلا ومهددا لوجودها، فضلا عن أن انتعاش الاقتصاد الإيراني عبر تسييل الأموال يعني تلقائيا إعادة ضخ الدعم المالي والعسكري للفصائل في المنطقة، وهو الهدف الأساسي الذي فرضت العقوبات من أجله.

٤- يعتبر شرط إنهاء الحرب الدائم الذي يسوقه ترامب، في تقديري خارجا عن صلاحياته الفعلية. كما لا يمكن اعتبار قرار السلم أو تجدد المواجهة مرهونا بإدارته، لماذا أيضا؟

لأن الحروب السابقة انطلقت بشرارات ودوافع إسرائيلية، وبالتالي فإن استئنافها مرتبط بحسابات الأمن القومي الإسرائيلي وقدرة تل أبيب على توريط الإدارة الأمريكية مجددا، وهو ما يرفع احتمالية تجدد الصراع التي ستتضح ملامحه الخشنة فور انتهاء بطولة كأس العالم 2026، وتحلل القوى الدولية من القيود اللوجستية والأدبيات السياسية والالتزامات الاقتصادية التي يفرضها المونديال.

٤- جبهة لبنان كورقة أساسية تساوم عليها إسرائيل وتشرعنها إيران، فقبل دقائق من كتابة هذا التحليل، كان الإعلام الإيراني الرسمي لا يزال ينتقد الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتوازي مع تأكيد نتنياهو بأنه لن يخرج من لبنان. 

وقالت ومع ذلك، يبدو أن هذا الملف يمثل إحراج دبلوماسي وعسكري لتل أبيب. فإذا استرجعنا أحداث ما بعد حرب الـ 12 يوما (يونيو ٢٠٢٥) والجهود الأمريكية الإسرائيلية الحثيثة لنزع سلاح حزب الله واستقطاب حكومة جوزيف عون، وكيف سارعت الخطوط التحليلية الدولية للتنبؤ بنهاية محور المقاومة تحديدا حزب الله، نجد اليوم الحزب في قمة جاهزيته العسكرية والميدانية، بل أن إيران باتت تساوم على لبنان كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، حتى أنها أعلنت قبل قليل، تأجيل محادثات بورغنستوك بسبب الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان. 

وهنا يحضرني تصريحا لترمب أمس، لم يأخذ حظه من الزخم الإعلامي، بأنه قد يحرك حكومة أحمد الشرع لردع إيران.

من هذه النقطة تحديدا، أريد أن أحيلك يا عزيزي القارئ إلى المقالة التي نشرتها في مجلة السياسة الدولية بتاريخ 23 سبتمبر 2025 بعنوان: (الاتفاق الأمني الإسرائيلي مع سوريا وتداعياته على العمق الجيواستراتيجي الإيراني)، من أجل فهم أسباب عودة ملف سوريا إلى الواجهة حاليا بالتوازي مع المساعي الأمنية الإسرائيلية لتحجيم الدور الإيراني في سوريا، حيث تكمن الرغبة الأساسية في قطع خط الشريان السري الجغرافي واللوجستي الذي يمد حزب الله وبقية الفصائل بالعتاد والدعم. 

هل هذا يعني أن الوجود الإيراني لا يزال قائما في سويا؟ 

 الإجابة باختصار، نعم، بل ويُدار بشكل سري وأكثر استفزازا وعمقا من التواجد العلني الصريح السابق.

وأخيرا، يصبح من الضروري تسليط الضوء على الديناميكية الداخلية الإيرانية من خلال تصريح المرشد مجتبى خامنئي، وتعليقه على المذكرة: "بأنه كان له رأي آخر في هذه القضية، لكن نزولا عند تعهد الرئيس مسعود بزشكيان، بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بصون حقوق الشعب وجبهة المقاومة وإقراره بتحمل المسؤولية، وافق على تمريرها."

طبعا الكثيرين انخدعوا بهذا التصريح، واعتبروه توريطا رسميا لبزشكيان من جهة، ومساومة مع الحرس الثوري كدليل على وجود انقسام داخلي حاد من جهة أخرى.

ومع ذلك، أريد أن أذكركم بتسريبات إيران انترناشونال في 31 مايو بشأن سحب صلاحيات بزشكيان بعد خلافه مع قيادات الحرس الثوري، تحديدا نائب القائد العام للشؤون الداخلية أحمد وحيدي، بالإضافة إلى تمريرها رواية تقديم استقالته. خصوصا وأن تصريح مجتبى مرتبط بشكل غير مباشر بتلك التصريحات، لماذا؟

لأن إعلان مجتبى دعمه الصريح للمذكرة سيبدو وكأنه مباركة لبراغماتية الحوار مع الغرب وأمريكا، وهي عقيدة يرفضها التيار المتشدد في الحرس الثوري، بل ويهاجمها في التيار الإصلاحي. كذلك رفضه للمذكرة علنا، سيؤكد رواية الانقسام الداخلي بين قيادات النظام. 

لذلك، لجأ المرشد إلى استراتيجية (تفويض المسؤولية مع الاحتفاظ بالقرار النهائي) أو التلميع بالتوريط، بهدف تمرير رواية أن رئيس الدولة يتمتع بالصلاحيات الكافية لاتخاذ القرارات المصيرية، وهذا بالطبع، سينفي رواية أن قرارات السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية) صورية أمام قرارات المرشد والقيادة العسكرية، علاوة على أنه سيبعد الشبهات حول سيطرة الحرس الثوري المطلقة، وفي ذات الوقت يحرج المعارضة الخارجية. 

والأهم من ذلك، أن هذا السلوك يثبت فرضيتي حول التحول الجاري في الواقع الأمني الإيراني. ومن تابع خطي التحليلي الذي وضح طبيعة العلاقة بين سلطات النظام وعلى رأسها الحرس الثوري، كعلاقة إجبار متكامل تحت غطاء البراغماتية المتشددة، وأداة بقاء وليس تحول أيديولوجي، سيدرك أن الغاية من تصريحات مجتبى:

١- منح الحرس الثوري سلطة القيادة الفعلية دون رادع داخلي.
٢- تحول الدولة بسلاسة وبعيدا عن الأعين، نحو  الجمهورية الأمنية الثيوقراطية المتشددة. 

جملة القول، لا تشكل مذكرة التفاهم ضمانا لمنع تجدد الحرب، بل هي هدنة مسلحة ومؤقتة لالتقاط الأنفاس بين الأطراف المتنازعة، خصوصا وأن إيران حققت فيها مؤقتا خط مصالحها التكتيكي وحافظت على انصهار فصائلها في جسد نظامها. إلا أن، بقاء البنية الحقيقية لاندلاع الصراع دون مساس يجعل من الـ 60 يوما القادمة حقل ألغام سياسي، يعيد رسم ملامح الصراع والجمهورية الإيرانية الجديدة ما بعد مونديال ٢٠٢٦.

استطلاع راى

هل تؤيد قرار الفيفا بزيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6405 جنيه
سعر الدولار 52.11 جنيه مصري
سعر الريال 13.88 جنيه مصري
Slider Image